ابن ميثم البحراني

356

شرح نهج البلاغة

والنهى عن جميع الرذائل الموبقة . ثم استعار لفظي الشافع والمشفّع . ووجه الاستعارة كون تدبّره والعمل بما فيه ماحيا لما يعرض للنفس من الهيئات الرديئة من المعاصي ، وذلك مستلزم لمحو غضب اللَّه كما يمحو الشفيع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إليه ، وذلك سرّ الخبر المرفوع ما من شفيع من ملك ولا نبيّ ولا غيرهما أفضل من القرآن ، وكذلك لفظ القائل المصدّق ، ووجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا يمكن تكذيبها كالقائل الصادق . ثمّ أعاد معنى كونه شافعا مشفّعا يوم القيامة . ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن ، ووجه الاستعارة أنّ لسان حال القرآن شاهد في علم اللَّه وحضرة ربوبيّته على من أعرض عنه بعدم اتّباعه ومخالفته لما اشتمل عليه ، وتلك شهادة لا يجوز عليها الكذب فبالواجب أن يصدق فأشبه الساعي إلى السلطان في حقّ غيره بما يضرّه . وقوله : فإنّه لا ينادى مناد يوم القيامة . إلى آخره . فالمنادي هو لسان حال الأعمال ، والحرث كلّ عمل تطلب به غاية وتستخرج منه ثمرة ، والابتلاء هاهنا ما يلحق النفس على الأعمال وعواقبها من العذاب بقدر الخروج فيها عن طاعة اللَّه ، وظاهر أنّ حرث القرآن والبحث عن مقاصده لغاية الاستكمال به برئ من لواحق العقوبات . ثمّ حثّهم على أن يكونوا من حرثته وأتباعه ، وأن يستدلَّوه : أي يتّخذوه دليلا قاعدا إلى ربّهم ، وأن يستنصحوه على أنفسهم : أي يتّخذوه ناصحا على نفوسهم الأمّارة بالسوء لكونها هي الغاشية لهم يقودها إلى معصية اللَّه ، وكون القرآن زاجرا لهم عمّا تأمرهم به تلك النفوس فيجب أن تقبل نصيحته عليها ، وكذلك اتّهموا عليه آرائكم : أي إذا رأيتم رأيا يخالف القرآن فاتّهموا ذلك الرأي فإنّه صادر عن النفس الأمّارة بالسوء ، وكذلك قوله : واستغشّوا فيه أهوائكم ، وإنّما قال هنا : استغشّوا ، وقال في الآراء : اتّهموا لأنّ الهوى هو ميل النفس الأمّارة من غير مراجعة العقل فإذا حكمت النفس عن متابعتها بحكم فهو غشّ صراح ، وأمّا الرأي فقد يكون بمراجعة العقل وحكمه ، وقد يكون بدونه فجاز أن يكون حقّا ، وجاز أن يكون باطلا فكان بالتهمة أولى .